الصالحي الشامي

457

سبل الهدى والرشاد

النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه ، أحدهما يقول لصاحبه : اذهب حتى تقوم خلفه فقال الآخر : كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام ؟ فلم يشهدهم بعد . [ فهذا حديث ] أنكره الإمام أحمد جدا ، وقال : هو موضوع أو شبيه بالموضوع . وأما عصمتهم بعد النبوة ، فقد قال القاضي : اعلم أن الطوارئ من التغيرات والآفات على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ على جسمه أو حواسه بغير قصد واختيار ، كالأمراض والأسقام ، أو بقصد واختيار ، وكله في الحقيقة عمل وفعل ، ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع : [ عمل بالجوارح ، وعقد بالقلب ، وقول باللسان ] . الأول : عمل بالجوارح وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغيرات بالاحتيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها . والنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان من البشر ، ويجوز على جبلته ، ما يجوز على جبلة البشر ، فقد قال : قامت البراهين القاطعة ، وتمت كلمة الاجماع على خروجه عنهم وتنزيهه عن كثير من الآفات التي تقع على الاختيار وعلى غير الاختيار ، كما سنبينه - إن شاء الله تعالى - فيما يأتي من التفاصيل . والكلام على ذلك يتضمن ثلاثة فصول : الفصل الأول في حكم عقد قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - [ من وقت نبوته ] قال القاضي : اعلم أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله وصفاته ، والايمان به ، وبما أوحي إليه ، فعلى غاية المعرفة ، ووضوح العلم واليقين والانتفاء عن الجهل بشئ من ذلك ، أو الشك ، أو الريب فيه ، والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك اليقين . هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه ، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه ، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم عليه السلام ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) . قال القاضي : وذهب معظم الحذاق من العلماء المفسرين إلى أنه إنما قال وذلك تبكيتا لقومه ، ومستدلا عليهم . قيل : معناه الاستفهام الوارد مورد الانكار ، والمراد : فهذا ربي . قال الزجاج : قوله ( هذا ربي ) [ الانعام 76 ] على قولكم : كما قال تعالى ( أين شركائي ) [ النحل 27 ] أي : عندكم ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك ولا أشرك قط بالله